الغزالي

183

إحياء علوم الدين

فإن قلت : فقد روى في غريب الحديث ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] قال شكوت إلى جبرائيل ضعف الوقاع ، فأمرني بأكل الهريسة فاعلم : أنه صلى الله عليه وسلم كان تحته تسع نسوة ، ووجب عليه تحصينهن بالامتاع ، وحرم على غيره نكاحهن وإن طلقهن . فكان طلبه القوة لهذا لا للتمتع والأمر الثاني : أنه قد تنتهي هذه الشهوة ببعض الضلال إلى العشق ، وهو غاية الجهل بما وضع له الوقاع ، وهو مجاوزة في البهيمية لحد البهائم . لأن المتعشق ليس يقنع بإراقة شهوة الوقاع ، وهي أقبح الشهوات ، وأجدرها أن يستحيا منه ، حتى اعتقد أن الشهوة لا تنقضي إلا من محل واحد . والبهيمة تقضى الشهوة أين اتفق ، فتكتفى به ، وهذا لا يكتفى إلا بشخص واحد معين ، حتى يزداد به ذلا إلى ذل ، وعبودية إلى عبودية . وحتى يستسخر العقل لخدمة الشهوة . وقد خلق ليكون مطاعا ، لا ليكون خادما للشهوة ، ومحتالا لأجلها وما العشق إلا سعة إفراط الشهوة . وهو مرض قلب فارغ لا هم له . وإنما يجب الاحتراز من أوائله بترك معاودة النظر والفكر ، وإلا فإذا استحكم عسر دفعه . فكذلك عشق المال ، والجاه ، والعقار ، والأولاد ، حتى حب اللعب بالطيور ، والنرد ، والشطرنج ، فإن هذه الأمور قد تستولى على طائفة بحيث تنغص عليهم الدين والدنيا ، ولا يصبرون عنها البتة ومثال من يكسر سورة العشق في أول انبعاثه مثال من يصرف عنان الدابة عند توجهها إلى باب لتدخله . وما أهون منعها بصرف عنانها . ومثال من يعالجها بعد استحكامها مثال من يترك الدابة حتى تدخل وتجاوز الباب ، ثم يأخذ بذنبها ويجرها إلى ورائها . وما أعظم التفاوت بين الأمرين في اليسر والعسر . فليكن الاحتياط في بدايات الأمور فأما في أواخرها ، فلا تقبل العلاج إلا بجهد جهيد ، يكاد يؤدى إلى نزع الروح . فإن إفراط الشهوة أن يغلب العقل إلى هذا الحد ، وهو مذموم جدا وتفريطها بالعنة ، أو بالضعف عن امتاع المنكوحة ، وهو أيضا مذموم . وإنما المحمود